محمد بن جرير الطبري

27

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

، قال : سمعت ابن عباس يقول : كان في سفينة نوح ثمانون رجلا ، أحدهم جرهم والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله : وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ يصفهم بأنهم كانوا قليلا ، ولم يحدد عددهم بمقدار ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح ، فلا ينبغي أن يتجاوز في ذلك حد الله ، إذ لم يكن لمبلغ عدد ذلك حد من كتاب الله أو أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَ ارْكَبُوا فِيها يقول تعالى ذكره : وقال نوح : اركبوا في الفلك بسم الله مجراها ومرساها . وفي الكلام محذوف قد استغني بدلالة ما ذكر من الخبر عليه عنه ، وهو قوله : قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ فحملهم نوح فيها وقال لهم : اركبوا فيها . فاستغني بدلالة قوله : وَقالَ ارْكَبُوا فِيها عن حمله إياهم فيها ، فترك ذكره . واختلفت القراء في قراءة قوله : بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة وبعض الكوفيين : " بسم الله مجراها ومرساها " بضم الميم في الحرفين كليهما . وإذا قرئ كذلك كان من أجرى وأرسى ، وكان فيه وجهان من الإعراب : أحدهما الرفع بمعنى : بسم الله إجراؤها وإرساؤها ، فيكون المجرى والمرسى مرفوعين حينئذ بالباء التي في قوله : بِسْمِ اللَّهِ والآخر بالنصب ، بمعنى : بسم الله عند إجرائها وإرسائها ، أو وقت إجرائها وإرسائها ، فيكون قوله : " بسم الله " كلاما مكتفيا بنفسه ، كقول القائل عند ابتدائه في عمل يعمله : بسم الله ، ثم يكون المجرى والمرسى منصوبين على ما نصبت العرب قولهم الحمد لله سرارك وإهلالك ، يعنون الهلال أوله وآخره ، كأنهم قالوا : الحمد لله أول الهلال وآخره ، ومسموع منهم أيضا : الحمد لله ما إهلالك إلى سرارك . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين : بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها بفتح الميم من " مجراها " ، وضمها من " مرساها " ، فجعلوا " مجراها " مصدرا من جري يجري مجرى ، ومرساها من أرسى يرسي إرساء . وإذا قرئ ذلك كذلك كان في إعرابهما من الوجهين نحو الذي فيهما إذا قرئا : " مجراها ومرساها " بضم الميم فيهما على ما بينت . وروي عن أبي رجاء العطاردي أنه كان يقرأ ذلك : " بسم الله مجريها ومرسيها " بضم الميم فيهما ، ويصيرهما نعتا لله . وإذا قرئا كذلك ، كان فيهما أيضا وجهان من الإعراب ، غير أن أحدهما الخفض وهو الأغلب عليهما من وجهي الإعراب ؛ لأن معنى الكلام على هذه القراءة : بسم الله مجري الفلك ومرسيها ، فالمجرى نعت لاسم الله . وقد يحتمل أن يكون نصبا ، وهو الوجه الثاني ، لأنه يحسن دخول الألف واللام في المجري والمرسي ، كقولك بسم الله المجريها والمرساها ، وإذا حذفتا نصبتا على الحال ، إذ كان فيهما معنى النكرة ، وإن كانا مضافين إلى المعرفة . وقد ذكر عن بعض الكوفيين أنه قرأ ذلك : ومجراها ومرساها " ، بفتح الميم فيهما جميعا ، من جرى ورسا ؛ كأنه وجهه إلى أنه في حال جريها وحال رسوها ، وجعل كلتا الصفتين للفلك كما قال عنترة : فصبرت نفسا عند ذلك حرة * ترسو إذا نفس الجبان تطلع والقراءة التي نختارها في ذلك قراءة من قرأ : بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها بفتح الميم وَمُرْساها بضم الميم ، بمعنى : بسم الله حين تجري وحين ترسي . وإنما اخترت الفتح في ميم " مجراها " لقرب ذلك من قوله : وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ ولم يقل : تجرى بهم . ومن قرأ : " بسم الله مجراها " كان الصواب على قراءته أن يقرأ : وهي تجري بهم . وفي إجماعهم على قراءة " تجري " بفتح التاء دليل واضع على أن الوجه في " مجراها " فتح الميم . وإنما اخترنا الضم في " مرساها " لإجماع الحجة من القراء على ضمها . ومعنى قوله مَجْراها مسيرها وَمُرْساها وقفها ، من وقفها الله وأرساها . وكان مجاهد يقرأ ذلك بضم الميم في الحرفين جميعا . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد . قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " بسم الله مجراها